تبرز، في سياق التطور الذي يشهده القطاع الصحي في المملكة، مبادرة «تأكد لصحتك» بوصفها نموذجًا عمليًا يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والخدمة الصحية، منطلقةً من أحد المحاور الرئيسة لبرنامج تحول القطاع الصحي المنبثق من رؤية المملكة 2030، والمتمثل في تعزيز الصحة الوقائية ورفع متوسط العمر المتوقع. ويتم ذلك عبر تمكين الأفراد من الوصول السلس إلى فحوصات دورية دقيقة تُسهم في الاكتشاف المبكر للأمراض المزمنة وعوامل الخطر الصحية، قبل تطورها إلى حالات معقّدة تؤثر في الفرد وتُحمّل المنظومة الصحية أعباءً متزايدة، بما ينعكس على رفع كفاءة الإنفاق الصحي.
وتعكس المبادرة التحول الاستراتيجي الذي تتبناه المنظومة الصحية من خلال التركيز على الوقاية ومنع المرض وتقليل مخاطره؛ إذ تهدف الفحوصات الدورية إلى بناء وعي صحي مستدام لدى المجتمع، وتشجيع الأفراد على «معرفة أرقامهم» الصحية ومتابعتها بانتظام. ويُعد ذلك أحد المؤشرات العالمية لرفع متوسط العمر وجودة الحياة، حيث تُظهر التجارب الدولية أن التوسع في الفحص الوقائي يسهم بشكل مباشر في تقليل نسب الإصابة بالأمراض المزمنة، وخفض معدلات الوفيات المبكرة، وتعزيز الإنتاجية المجتمعية، وهي أهداف تتقاطع بوضوح مع مستهدفات الرؤية في بناء مجتمع حيوي يتمتع بصحة مستدامة.
كما تُبسط المبادرة رحلة المستفيد، إذ أتاحت الصحة القابضة الاستفادة من خدمات «تأكد لصحتك» عبر حجز موعد إلكتروني من خلال تطبيق «صحتي»، الذي يُنفَّذ حاليًا في جميع التجمعات الصحية بمدينة الرياض، عبر مسارات منظمة بنمط خدمة السيارات. ويُعد هذا النموذج التشغيلي عاملًا داعمًا لرفع الكفاءة التشغيلية وزيادة القدرة الاستيعابية، كما يُسهم في الوصول إلى شرائح أوسع من المجتمع دون تعقيد أو فترات انتظار طويلة، بما يتماشى مع هدف الرؤية في تسهيل الوصول العادل إلى الخدمات الصحية.
وتشمل مسارات الفحص الوقائي مجموعة واسعة من الفحوصات، من أبرزها فحوصات السكري، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة، واضطرابات الدهون، إضافة إلى فحص هشاشة العظام، وسرطان القولون، وسرطان الثدي، إلى جانب مسارات متقدمة سيُضاف العمل بها قريبًا، تُعنى بعلم الجينوم، ونمط الحياة، وعلم البروتينات. ويعكس ذلك توجهًا استباقيًا متقدمًا في إدارة الصحة العامة، يتوافق مع أفضل الممارسات العالمية.
ولا يقتصر أثر المبادرة على الفرد فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز جاهزية المنظومة الصحية الوطنية لمواجهة المخاطر الصحية المستقبلية؛ إذ تُعد قاعدة البيانات المتولدة عن الفحوصات الدورية عنصرًا محوريًا في دعم التخطيط الصحي، وتحسين كفاءة اتخاذ القرار، والحد من الأعباء طويلة المدى على القطاع الصحي.
وفي المحصلة، تمثل مبادرة «تأكد لصحتك» نموذجًا تطبيقيًا لاستثمار رؤية المملكة 2030 في الوقاية، ورفع الوعي الصحي، وتعزيز الجاهزية، وتحسين جودة الحياة، في خطوة تعكس نضج التحول الصحي في المملكة، وانتقاله من مرحلة بناء الأنظمة إلى مرحلة تعظيم الأثر الصحي والاجتماعي والاقتصادي.